آلاف الأطفال بلا أطر تعليمية في القرى البدوية غير المعترف بها في النقب

نزاع مالي بين وزارة التعليم والمجلس الإقليمي نفيه مِدبار يصل إلى المحكمة المركزية في بئر السبع ويشلّ الدراسة فعليا
שיתוף בווטסאפ שיתוף בפייסבוק שיתוף בטוויטר שיתוף באימייל הדפסת כתבה
مبنى تعليمي في قرية بدوية بالنقب خالٍ من الطلاب على خلفية تعطيل الخدمات الأساسية للمؤسسات التعليمية

في الأيام الأخيرة، وجد آلاف الأطفال في القرى البدوية غير المعترف بها في النقب أنفسهم من دون أطر تعليمية فاعلة، لا بسبب إضراب للمعلمين ولا نتيجة تعليمات أمنية، بل بسبب توقف خدمات أساسية تُمكّن المدارس ورياض الأطفال من فتح أبوابها والعمل بشكل طبيعي.
الأزمة، التي نشأت على خلفية نزاع مالي مستمر بين المجلس الإقليمي نفيه مِدبار ووزارة التعليم، وصلت الآن إلى أروقة المحكمة المركزية في بئر السبع، التي ستحدد بقرارها القادم ما إذا كان الأمر حادثا موضعيا أم مؤشرا على خلل عميق ومتواصل في إدارة جهاز التعليم في منطقة البدو غير المعترف بها.

في صلب الالتماس القضائي ادعاء واضح: من دون مساعدات تعليمية، خدمات تنظيف، حراسة، صيانة، سكرتارية، تسجيل، وبنى تحتية أساسية مثل تزويد الوقود للمولدات وضخ مياه الصرف الصحي، لا يمكن تشغيل المؤسسات التعليمية بشكل آمن أو حتى بالحد الأدنى المطلوب. ووفق ما ورد في الالتماس، فإن الحديث يدور عن ما لا يقل عن 56 روضة أطفال و11 مدرسة في القرى غير المعترف بها، يدرس فيها ما بين 11 ألفا و15 ألف طالب وطالبة.

عمليا، انعكست الأزمة فور انتهاء عطلة الشتاء، إذ عادت الدراسة شكليا، لكن من دون منظومة الخدمات التي تُمكّن المؤسسات التعليمية من العمل فعليا. وبحسب المواد المقدمة للمحكمة، كان المجلس الإقليمي قد أبلغ منطقة الجنوب في وزارة التعليم بتاريخ 18 ديسمبر أنه خلال ثلاثة أسابيع سيتوقف عن تقديم الخدمات التعليمية في القرى غير المعترف بها، ابتداء من 9 يناير.

وأوضح المجلس حينها أن وزارة التعليم لا تفي بالتزاماتها المالية، وتعيق استغلال الميزانيات القائمة، وتُلزم المجلس بتحمّل تكاليف لا يمكنه تغطيتها، إضافة إلى عدم معالجة نواقص أمان خطيرة في مبان تُستخدم كمؤسسات تعليمية. وفي اجتماع عقد بتاريخ 9 يناير مع لجان أولياء الأمور، أكد المجلس مجددا أنه اعتبارا من 11 يناير سيتوقف عن تقديم الخدمات التعليمية. ومع العودة إلى الدراسة يوم الأحد، لم يحضر العاملون الذين يتم تشغيلهم عبر المجلس إلى المؤسسات، ودخل الجهاز التعليمي في حالة شلل فعلي.

القلق لدى الأهالي والعاملين في الميدان لا يقتصر على الأسبوع الدراسي الذي ضاع، بل يمتد إلى الأيام القادمة. فبحسب المعطيات، من المقرر أن تبدأ عملية التسجيل وتوزيع الطلاب على رياض الأطفال والمدارس في 19 يناير وتستمر حتى 8 فبراير. وفي حال لم يتم تشغيل آلية التسجيل والتوزيع كما جرت العادة، فقد يبقى عدد كبير من الأطفال بلا تسجيل منظم، ما يضيف فوضى إدارية إلى الضرر المباشر الذي لحق بالعملية التعليمية.

بعيدا عن الأرقام، تكشف الأزمة النموذج القائم، حيث تعتمد الدولة على سلطة محلية لتشغيل جهاز تعليمي كامل في مناطق ذات واقع تخطيطي وسكني معقد ومثير للجدل. وتشير تقارير نُشرت مؤخرا إلى أن جوهر الخلاف يتمحور حول حجم الميزانيات والمصادقة على الدفعات، إلى جانب قضايا تتعلق بمبان تعليمية تفتقر لتراخيص بناء، ووجود مؤسسات خارج الحدود التنظيمية المعترف بها للبلدات.

في المقابل، تؤكد وزارة التعليم التزامها بالاستمرارية التعليمية وبمعايير الأمان، وتوضح أن القضايا المهنية تُدار مع الجهات المختصة، مشددة على أنه لا مبرر للمساس بالطلاب.

محليا، فإن كون القضية تُبحث في بئر السبع ليس تفصيلا تقنيا. فالمدينة تُعد مركز الإدارة والخدمات لمنطقة الجنوب، وأي مساس باستمرارية التعليم لعشرات آلاف العائلات في القرى غير المعترف بها ينعكس بسرعة أيضا على المدينة نفسها. أهالٍ لا يستطيعون إرسال أطفالهم إلى الأطر التعليمية يواجهون صعوبة في الخروج إلى العمل، ما يزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية القائمة أصلا في المنطقة. كما أن أي انقطاع طويل في المسار التعليمي يرفع خطر التسرب الصامت، والابتعاد عن الأطر النظامية، وتفاقم مشكلات الرفاه والأمن الشخصي التي تتسرب لاحقا إلى الخدمات البلدية والإقليمية، ومنها تلك التي تعتمد على بئر السبع كمركز.

السؤال المفتوح الآن هو سؤال المسؤولية العملية. فالالتماس يؤكد أنه إذا كان المجلس لا يوفر الخدمات، فعلى الدولة إيجاد حل بديل وفوري، وعدم ترك الأطفال رهائن لخلاف مالي. في المقابل، يعرض المجلس نفسه كجهة اضطرت إلى وقف النشاط لأن الفجوة الميزانية لا تسمح بمواصلة دفع الرواتب وتشغيل العاملين، خصوصا في منظومة كبيرة تشمل عشرات المؤسسات التعليمية وأنظمة تشغيل معقدة.

في هذه المرحلة، ينتقل الصراع من سؤال من المحق إلى سؤال من يمنع الضرر. المحكمة المركزية في بئر السبع حددت جداول زمنية للردود، والأيام القليلة المقبلة ستشكل اختبارا لقدرة الدولة والمجلس على إعادة الجهاز التعليمي إلى مساره، قبل أن يتحول التعطيل إلى واقع دائم وإلى ضرر أعمق لجيل كامل من طلاب النقب.