دراسة مقلقة: معلمو التعليم العربي في ذيل ترتيب المهارات بفارق عشرات النقاط
كشفت دراسة جديدة لمؤسسة شورش للبحوث الاقتصادية والاجتماعية عن فجوات حادة في المهارات الأساسية بين المعلّمين في جهاز التعليم، ووضعت معلّمي التعليم العربي في المرتبة الأخيرة بين التيارات التعليمية التي شملتها المقارنة.
الدراسة، التي أعدّتها الدكتورة ياعيل ملتسر ونُشرت في 26 آب 2026، تستند إلى بيانات المسح الدولي لمهارات البالغين PIAAC للأعوام 2022 و2023. وقد فحصت أداء المعلّمين في ثلاثة مجالات: القراءة، والمهارات الحسابية، وحلّ المشكلات التكيّفي.
بحسب النتائج، بلغ المعدّل العام لمعلّمي التعليم العربي في المجالات الثلاثة 228 نقطة فقط. وبلغ المعدّل 261 نقطة في التعليم الحريدي، و268 في التعليم الرسمي، و271 في التعليم الرسمي الديني، مقابل نحو 281 نقطة لدى المعلّمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.
وتعني هذه الأرقام أن الفجوة بين معلّمي التعليم العربي والتيار الذي حقق أعلى نتيجة داخل جهاز التعليم وصلت إلى 51 نقطة في القراءة، و39 نقطة في الرياضيات، و38 نقطة في حلّ المشكلات.
الفجوات تظهر في المجالات الثلاثة
في القراءة، حصل معلّمو التعليم العربي على معدّل 226 نقطة، مقابل 266 في التعليم الحريدي، و275 في التعليم الرسمي، و277 في التعليم الرسمي الديني.
وفي الرياضيات، بلغ معدّل معلّمي التعليم العربي 238 نقطة، مقابل 264 في التعليم الحريدي، و277 في كل من التعليم الرسمي والتعليم الرسمي الديني.
أما في حلّ المشكلات، فسجّل معلّمو التعليم العربي 220 نقطة، مقابل 253 في التعليم الحريدي، و251 في التعليم الرسمي، و258 في التعليم الرسمي الديني.
ولا تقتصر الصورة المقلقة على التعليم العربي وحده. فبحسب الدراسة، جاء معلّمو إسرائيل في المرتبة السادسة عشرة من بين 19 دولة شملتها المقارنة، وسجّلوا نتائج أدنى من نظرائهم في غالبية الدول المتقدمة.
ماذا يقيس PIAAC، وماذا لا يقيس؟
هذه النتائج خطيرة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة. فاختبار PIAAC، الذي تجريه منظمة OECD، هو مسح لمهارات البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و65 عامًا. وهو يقيس القدرة على فهم النصوص واستخدام المعلومات الرياضية والتعامل مع مشكلات متغيرة، ولا يشكل مراقبة مباشرة لدرس داخل الصف.
لذلك لا يمكن استخدام نتائجه للحكم على كل معلّم عربي بصورة فردية، كما أنه لا يقيس وحده مهارات تربوية مهمة مثل إدارة الصف، وبناء العلاقة مع الطلاب، وشرح المادة، ومتابعة الفروق الفردية أو دعم الطلاب نفسيًا واجتماعيًا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل ما يقيسه المسح. فالقراءة والرياضيات وحلّ المشكلات هي أدوات أساسية في عمل المعلّم، وتؤثر في قدرته على التعامل مع مواد معقدة، وتطوير نفسه مهنيًا، وتزويد الطلاب بمهارات يحتاجون إليها في التعليم العالي وسوق العمل.
المقارنة داخل المجتمع العربي تغيّر جزءًا من الصورة
أحد أهم جوانب الدراسة، والذي يجب ألا يضيع خلف العنوان الصادم، هو المقارنة بين المعلّمين العرب وبين عاملين عرب آخرين يحملون مؤهلات أكاديمية مماثلة.
بين العرب خريجي الجامعات، سجّل المعلّمون نتيجة أعلى بنسبة 1.3 في المئة في القراءة، ونتيجة أقل بنسبة 2.7 في المئة في الرياضيات، بينما كانت النتائج متطابقة في حلّ المشكلات، مقارنة بخريجي الجامعات العرب العاملين في مهن أخرى.
وبين خريجي الكليات العرب، تراجع المعلّمون بنسبة 0.5 في المئة في القراءة و1.7 في المئة في الرياضيات، لكنهم تقدموا بنسبة 1.9 في المئة في حلّ المشكلات.
هذه الفروق محدودة نسبيًا ولا تسير في اتجاه واحد. وهي تشير إلى أن الفجوة لا تنبع بالضرورة من اختيار أشخاص أقل مهارة لمهنة التعليم داخل المجتمع العربي، بل قد تعكس مشكلة أوسع تبدأ قبل الالتحاق بكليات إعداد المعلّمين، وترتبط بجودة التعليم التي حصل عليها المرشحون أنفسهم، وبفرصهم الاجتماعية والاقتصادية، وبالموارد المتاحة لهم خلال سنوات الدراسة.
بمعنى آخر، تحويل النتائج إلى هجوم شامل على المعلّمين العرب سيكون قراءة ناقصة وغير عادلة. الأرقام تضع مسؤولية كبيرة على الدولة، وعلى وزارة التربية والتعليم، وعلى مؤسسات إعداد المعلّمين، لا على المعلّم الفرد وحده.
أسئلة صعبة عن القبول والتأهيل والأجور
تطرح الدراسة سلسلة من الأسئلة التي تتطلب إجابات عملية: ما المعايير المعتمدة لقبول الطلاب في مسارات التدريس؟ هل تحصل كليات إعداد المعلّمين في المجتمع العربي على الأدوات الكافية لسد فجوات سابقة؟ ما حجم التدريب المهني الفعلي بعد الدخول إلى المدرسة؟ وهل ينجح نظام الأجور والترقية في جذب أصحاب المهارات المرتفعة والحفاظ عليهم؟
وتوصي الدراسة بإعطاء وزن أكبر للمهارات الفعلية عند القبول لمهنة التعليم، وبحث مسار يحصل فيه المعلّم أولًا على شهادة أكاديمية كاملة في التخصص الذي سيعلّمه، ثم ينتقل إلى تأهيل تربوي. كما تدعو إلى استثمار مركز في التعليم العربي، وإلى ربط الحوافز بالتأهيل والمهارات والتطور المهني.
لكن تشديد شروط القبول وحده قد يؤدي إلى نقص أكبر في المعلّمين إذا لم ترافقه برامج دعم ومنح دراسية وتأهيل حقيقي وتحسين في ظروف العمل. الإصلاح المطلوب ليس إغلاق الباب أمام المرشحين، بل منحهم مسارًا أقوى للدخول إلى المهنة والنجاح فيها.
في النقب: الحاجة إلى بيانات منفصلة وخطة واضحة
بالنسبة إلى المدارس العربية البدوية في النقب، تفتح النتائج نقاشًا لا يمكن اختزاله في المعدّل القطري العام. فالمجتمع العربي ليس كتلة واحدة، والرقم 228 لا يكشف الفروق بين المناطق، ولا بين المدارس الابتدائية والثانوية، ولا بين المعلّمين الجدد وذوي الخبرة.
لهذا ينبغي مطالبة وزارة التربية والتعليم بنشر بيانات مفصلة حسب المنطقة والمرحلة التعليمية والتخصص، مع الحفاظ على الخصوصية الإحصائية. من دون هذه البيانات، سيكون من الصعب معرفة حجم الفجوة في النقب أو بناء برنامج يناسب الاحتياجات الفعلية للمدارس البدوية.
كما يجب أن تشمل أي خطة للتغيير الاستثمار في التطوير المهني المستمر، وتعزيز مهارات اللغة والرياضيات والبيئة الرقمية، وتقديم حوافز لجذب معلّمين متخصصين، خصوصًا في العلوم والتكنولوجيا والرياضيات، إلى المدارس التي تواجه صعوبة في استقطابهم.
جرس إنذار، لا لائحة اتهام
تضع دراسة شورش أمام جهاز التعليم حقيقة يصعب تجاهلها: الفجوات بين معلّمي التعليم العربي وسائر التيارات كبيرة، وتظهر في كل المهارات التي جرى فحصها. لكن الدراسة نفسها توفر سببًا لرفض التعميم، لأن الفروق بين المعلّمين العرب وأكاديميين عرب ذوي تعليم مماثل تبقى صغيرة نسبيًا.
الاستنتاج الأكثر مسؤولية ليس أن المعلّمين العرب هم المشكلة، بل أن منظومة كاملة لم تنجح في منحهم، ومن قبلهم طلابهم، فرصًا متكافئة لاكتساب المهارات التي تقيسها الدول المتقدمة.
قبل أيام من افتتاح العام الدراسي، يجب أن تتحول الأرقام من مادة للصدمة والاتهام إلى برنامج عمل: تحسين التأهيل، ورفع مستوى التدريب، واستثمار موجه في التعليم العربي، ونشر بيانات شفافة تسمح بقياس التقدم. ومن دون ذلك، سيبقى جهاز التعليم يطالب المعلّمين بسد فجوات لم يصنعوها وحدهم.






















