166 ضحية منذ بداية 2026: رهط وبلدات النقب أمام اختبار وقف نزيف العنف
ارتفع عدد الضحايا العرب الذين فقدوا حياتهم في ظروف مرتبطة بالعنف والجريمة منذ بداية عام 2026 إلى 166 ضحية، وفق آخر تحديث نشرته منظمة مبادرات إبراهيم حتى يوم الأحد 23 أغسطس.
وتشير المعطيات إلى أن 159 من الضحايا مواطنون، فيما كان سبعة من المقيمين. كما تظهر أن السلاح الناري ما زال الأداة المركزية في حوادث القتل، إذ توفي 142 شخصًا نتيجة إطلاق النار.
وبحسب البيانات، قُتل سبعة آخرون طعنًا، وتوفي ستة في حوادث حريق، فيما بلغ عدد النساء والفتيات بين الضحايا 12. ومن بين إجمالي الضحايا، قُتل سبعة أشخاص برصاص الشرطة.
وخلال الفترة المقابلة من عام 2025 سُجل 161 ضحية، ما يعني أن الحصيلة الحالية تمثل ارتفاعًا بنحو 3 في المئة.
وعند توزيع العدد على الأيام التي مرت منذ بداية العام وحتى 23 أغسطس، فإن الحديث يدور عن متوسط حسابي يقارب ضحية واحدة كل 34 ساعة. هذا المتوسط لا يعني أن الجرائم وقعت بوتيرة ثابتة، لكنه يوضح حجم الأزمة واستمرارها على مدار أشهر.
142 ضحية بالسلاح الناري
الرقم الأكثر دلالة في المعطيات هو أن نحو 86 في المئة من الضحايا قُتلوا بالرصاص. هذه النسبة تعيد قضية انتشار الأسلحة غير المرخصة إلى مركز النقاش بشأن مكافحة الجريمة في المجتمع العربي.
وجود السلاح في البيوت والشوارع لا يحول كل خلاف إلى جريمة بالضرورة، لكنه يزيد احتمال انتهاء النزاعات العائلية أو الشخصية أو المالية بإصابات قاتلة. كما يمنح المنظمات الإجرامية قدرة أكبر على التهديد وفرض السيطرة وتنفيذ عمليات إطلاق النار.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من حملات شرطية قصيرة. المطلوب هو عمل استخباراتي متواصل لتحديد مصادر السلاح، ومسارات تهريبه، والجهات التي تتاجر به، ومخازن الأسلحة والذخيرة.
كما تتطلب المواجهة التحقيق في مصادر تمويل عصابات الجريمة، وملاحقة عمليات الابتزاز وتبييض الأموال، وحماية أصحاب المصالح التجارية الذين يتعرضون للتهديد.
رهط بين البلدات الأكثر تضررًا
بالنسبة لسكان النقب، لا تمثل الأرقام أزمة بعيدة تقع في مدن الشمال أو المركز فقط. فقد أظهر تقرير النصف الأول من عام 2026 أن مدينة رهط سجلت ثمانية ضحايا حتى نهاية شهر يونيو، وظهرت بين البلدات العربية التي سجلت أعلى حصيلة خلال تلك الفترة.
هذا المعطى يضع رهط في قلب أزمة العنف، ويفرض أسئلة تتعلق بانتشار السلاح، وقدرة الشرطة على منع الجرائم، ومستوى التنسيق مع البلدية والقيادات المحلية والمؤسسات الاجتماعية.
كما أن تأثير الجريمة لا يتوقف عند حدود المدينة. عمليات إطلاق النار والخلافات العائلية والابتزاز يمكن أن تمتد إلى بلدات وقرى أخرى في النقب، خصوصًا في منطقة ترتبط فيها العائلات بعلاقات اجتماعية وتجارية واسعة.
لهذا السبب، فإن خطة مواجهة العنف في النقب لا يمكن أن تُبنى لكل بلدة بصورة منفصلة. المطلوب برنامج إقليمي يشمل رهط وحورة وكسيفة واللقية وتل السبع وعرعرة النقب وشقيب السلام، إلى جانب قرى المجلسين الإقليميين والقرى غير المعترف بها.
الضحية ليست رقمًا
وراء كل رقم في قائمة الضحايا عائلة فقدت ابنًا أو أبًا أو أمًا أو شقيقًا. وفي كثير من الحالات، لا تنتهي آثار الجريمة بانتهاء الجنازة، بل تستمر من خلال الخوف والصدمة النفسية وفقدان مصدر الدخل والخشية من عمليات انتقام جديدة.
كما يتضرر الأطفال الذين يشاهدون إطلاق النار أو يفقدون أحد والديهم أو أقاربهم. وقد تظهر الآثار في تراجع التحصيل الدراسي، والقلق، والعزلة الاجتماعية، وصعوبة العودة إلى الحياة اليومية.
لهذا السبب، فإن التعامل مع نتائج الجريمة يجب ألا يقتصر على التحقيق الشرطي. العائلات المتضررة تحتاج إلى خدمات اجتماعية ونفسية، ومرافقة للأطفال، وبرامج تمنع اتساع دائرة الانتقام.
ماذا تكشف المعطيات وما الذي لا تكشفه؟
توضح الأرقام عدد الضحايا ووسائل القتل وبعض الخصائص العامة، لكنها لا تقدم بمفردها صورة كاملة عن أداء جهات إنفاذ القانون.
فالتحديث لا يحدد عدد القضايا التي انتهت باعتقال مشتبه بهم، ولا عدد لوائح الاتهام، ولا نسبة الجرائم التي تم حلها. كما لا يوضح عدد محاولات القتل أو المصابين الذين نجوا من إطلاق النار والطعن.
لذلك، لا يكفي نشر عدد الضحايا فقط. من حق الجمهور الحصول على بيانات دورية تشمل عدد الجرائم في كل منطقة، وعدد الاعتقالات، وعدد لوائح الاتهام، وكمية الأسلحة التي ضُبطت، والوقت الذي استغرقته الشرطة للوصول إلى مواقع الحوادث.
هذه البيانات ضرورية حتى يستطيع السكان معرفة ما إذا كانت الخطط المعلنة تحقق نتائج حقيقية أم تبقى في مستوى التصريحات.
الدولة مسؤولة عن فرض القانون
تقع المسؤولية الأساسية عن مكافحة الجريمة المنظمة وجمع السلاح والتحقيق في جرائم القتل على الشرطة وأجهزة الدولة. السلطات المحلية والجمهور لا يملكون صلاحيات الاعتقال أو التحقيق أو تفكيك شبكات تهريب الأسلحة.
وتحتاج المواجهة إلى وحدات تحقيق مهنية، وقدرات استخباراتية، وتعاون بين الشرطة وسلطة الضرائب والنيابة والجهات المسؤولة عن مكافحة تبييض الأموال.
كما أن حماية الشهود والمبلغين تشكل عنصرًا حاسمًا. كثير من السكان يخشون تقديم المعلومات بسبب احتمال تعرضهم أو أفراد عائلاتهم للانتقام. من دون منظومة حماية موثوقة، ستبقى قدرة المحققين على بناء ملفات قوية محدودة.
دور السلطات المحلية والمجتمع
مسؤولية الدولة لا تعفي السلطات المحلية والقيادات الاجتماعية والتربوية من العمل في مجال الوقاية. المجالس والبلديات تستطيع تطوير برامج للشباب، وتعزيز أقسام الرفاه، ومتابعة الطلاب المعرضين للتسرب، وتوفير أطر رياضية وثقافية بعد ساعات الدراسة.
كما يمكن للقيادات المحلية ورجال الإصلاح والأئمة والمدارس والمؤسسات الأهلية التدخل في النزاعات قبل تحولها إلى مواجهات مسلحة. لكن هذه الجهود تحتاج إلى تدريب وميزانيات وأطر عمل مهنية، ولا يمكن أن تعتمد على المبادرات التطوعية فقط.
وينبغي التمييز بين الوساطة الاجتماعية وبين التحقيق الجنائي. حل الخلاف قبل وقوع الجريمة أمر مهم، لكن بعد تنفيذ جريمة قتل يجب أن يكون المسار قانونيًا، من خلال التحقيق وجمع الأدلة وتقديم المتورطين إلى القضاء.
حماية الشباب تبدأ قبل وقوع الجريمة
تشير تقارير سابقة إلى الحضور الكبير للشباب بين ضحايا العنف والجريمة. ولهذا فإن منع انضمام الشبان إلى العصابات يجب أن يبدأ في المدارس والأحياء، وليس بعد وصولهم إلى ملفات الشرطة.
التسرب من التعليم، والبطالة، وغياب الأطر، والديون والسوق السوداء يمكن أن تجعل بعض الشبان أكثر عرضة للاستغلال من جانب جهات إجرامية. معالجة هذه العوامل لا تحل مكان العمل الشرطي، لكنها تقلل البيئة التي تسمح للعصابات بتجنيد أعضاء جدد.
في بلدات النقب، تحتاج هذه البرامج إلى ملاءمة خاصة بسبب المسافات الكبيرة، ونقص المواصلات، والفجوات في الخدمات، وصعوبة الوصول إلى بعض القرى.
الاقتصاد تحت التهديد
لا تؤدي الجريمة إلى فقدان الأرواح فقط، بل تضر أيضًا بالاقتصاد المحلي. أصحاب مصالح يتعرضون للابتزاز، ومقاولون يخشون التنافس في المناقصات، وعائلات تتردد في فتح مصالح جديدة بسبب غياب الشعور بالأمان.
كما يمكن أن تتأثر مشاريع البناء والتطوير عندما تحاول جهات إجرامية فرض نفسها على المقاولين أو الموردين. وفي هذه الحالات، يتحول العنف إلى أداة للسيطرة على الموارد العامة والاقتصاد المحلي.
مواجهة الابتزاز تتطلب قناة آمنة وسرية لتقديم الشكاوى، ومرافقة للمهددين، وقدرة على متابعة الأموال والأصول، وليس التعامل مع كل حادثة باعتبارها خلافًا فرديًا.
المطلوب خطة يمكن قياسها
أي خطة حقيقية لمواجهة الجريمة في النقب يجب أن تتضمن أهدافًا واضحة يمكن للجمهور متابعتها، ومنها:
تقليص عدد حوادث إطلاق النار בכל بلدة.
زيادة كمية الأسلحة والذخيرة التي تضبطها الشرطة.
رفع عدد قضايا القتل التي تنتهي بلوائح اتهام.
تعزيز حماية الشهود وأصحاب المصالح المهددين.
إنشاء برامج وقاية للشباب في الأحياء والقرى.
تخصيص خدمات نفسية واجتماعية لعائلات الضحايا.
نشر تقرير دوري يوضح النتائج في كل منطقة.
من دون مؤشرات قابلة للقياس، سيكون من الصعب معرفة ما إذا كانت الحملات تحقق تقدمًا أم أن الأرقام تستمر في الارتفاع.
166 إنذارًا لا يمكن تجاهله
الارتفاع إلى 166 ضحية خلال أقل من ثمانية أشهر لا يمثل مجرد تحديث إحصائي. إنه إنذار بشأن حياة يومية يعيش فيها كثير من المواطنين تحت الخوف من إطلاق النار والجريمة والانتقام.
وفي النقب، حيث ظهرت رهط بين البلدات الأكثر تضررًا خلال النصف الأول من العام، المطلوب تحرك يجمع بين فرض القانون، وتفكيك عصابات الجريمة، وجمع السلاح، ودعم السلطات المحلية، وحماية الشباب والعائلات.
النجاح لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بانخفاض عدد الضحايا، وارتفاع نسبة حل الجرائم، واستعادة السكان لقدرتهم على العيش والعمل والتنقل من دون خوف.






















