صرخة من النقب: ممرضة عناية مكثفة تكشف أن الدولة والسلطات في حورة فقدت السيطرة
في كل وردية في قسم العناية المكثفة، ألمس الحياة ذاتها. أرى يهودًا وبدوًا يقاتلون كتفًا إلى كتف في أكثر لحظات حياتهم هشاشة. أعرف معنى النضال عن قرب.
لكن عندما أعود إلى البيت، إلى حورة، يكون النضال مختلفًا تمامًا. ليس نضالًا طبيًا، بل نضال مدني: نضال من أجل الكهرباء، والصرف الصحي، والسكن، والبنى التحتية الأساسية، ومن أجل أبسط حقّ أن نعيش في بلدة لم تتخلَّ عنها الدولة ولا السلطة المحلية منذ البداية.
مؤخرًا، وصلني ردّ رسمي من السلطة لتطوير وإسكان البدو على توجّه شخصي قمتُ به. توقعت أن أتلقى وثيقة منظّمة: خطة عمل واضحة، تقسيم صلاحيات، جدولًا زمنيًا، ميزانيات، وقبل كل شيء تنسيقًا مهنيًا مع السلطة المحلية، التي يُفترض أن تقود عملية التطوير ميدانيًا.
لكن بدل ذلك، استلمت مجموعة من الأعذار. مرة بعد مرة، تُلقى المسؤولية على السكان والعائلات، وكأن إدارة البلدة شأن عائلي فحسب، لا مسؤولية دولة ولا سلطة محلية.
الأكثر غيابًا في الرسالة كان بالضبط ما لم يُذكر: دور الدولة والسلطة المحلية كجهات تقود الحل. وهذا ليس صدفة. إنها طريقة للتهرب من المسؤولية. الدولة تتنصّل، والسلطة المحلية التي يُفترض بها المطالبة بالميزانيات، ومرافقة التخطيط، والرقابة، وفرض القانون، والقيادة لا تؤدي دورها كما يجب. ومن دون هذين الذراعين، لا يمكن لأي عملية أن تتقدم فعليًا.
أسأل نفسي، وأسألهم أيضًا: إذا كانت جهة حكومية أو سلطة محلية ترفع يديها منذ البداية، فما الرسالة التي تصل إلى السكان؟ وما الرسالة التي تصل إليّ، كمواطنة تعمل ليلًا ونهارًا على إنقاذ الأرواح، لكنها تتوقع في المقابل أن تقاتل الدولة والسلطة المحلية من أجلها كما تقاتل هي من أجل الآخرين؟
حورة ليست “مشكلة”. حورة حالة اختبار للنقب بأكمله. فعندما لا يوجد تخطيط، ولا تطوير، ولا تطبيق للنظام، ولا قيادة، تكون النتيجة فوضى. وعندما تغيب القيادة المحلية المهنية والجدية، تتعمق هذه الفوضى وتتسع.
المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل تقع أيضًا على ممثلي الجمهور لدينا. لا يمكن المطالبة بتعامل رسمي ومحترم مع المجتمع البدوي في الجنوب، وفي الوقت نفسه التهرب من إدارة بلدية صحيحة، مبادِرة ومسؤولة. ولا يجوز إلقاء اللوم دائمًا على “الدولة”، بينما لا نقوم من جانبنا حتى بالحد الأدنى المطلوب.
انضممت إلى معهد ريفمان تطوعًا كاملًا لهذا السبب بالذات: أخيرًا يوجد جسم مهني يعرض معطيات، ويستمع إلى السكان، ويفحص أداء السلطات، ويعمل بعمق مهني، ويطرح خطة منظمة. بدل أن يلقى هذا الجهد دعمًا، يتعرض لهجمات وتشويه وتهديدات. وهذا بحد ذاته دليل إضافي على مدى فشل المنظومة، وعلى حاجة النقب الماسة إلى قيادة حقيقية محلية وعلى مستوى الدولة.
أتوجّه إلى صُنّاع القرار، ولكن أيضًا إلى مجتمعي: آن الأوان أن نبدأ بقول “نعم”.
نعم للتخطيط. نعم للحوكمة وتطبيق النظام. نعم لشراكة حقيقية بين الدولة والسلطة المحلية والمجتمع. نعم لمسار عمل واضح. نعم لتحمّل المسؤولية، ونعم أيضًا للألم الذي يرافق كل تغيير حقيقي.
من هو مستعد للنزول إلى الميدان والعمل، يجب أن نقف إلى جانبه.
ومن يفضّل النقد بدل العمل، فليفسح المجال لغيره.
خطة ريفمان هي بداية. أمّا البقية، فسنكتبها هنا، في النقب.
إلى جانب التحليل المؤسساتي، تبرز أيضًا مشاعر الميدان في التقارير والمقالات التي نُشرت في موقع “أخبار بئر السبع والنقب”. ناشطون مركزيون من بير هداج ومن حورة يصفون حالة إحباط عميقة من أداء القيادة السياسية البدوية، وبالأخص من الخط الذي تقوده القائمة العربية الموحدة والحركة الإسلامية.
وبحسب أقوالهم، فإن “الضجيج” في الكنيست لم يتحول إلى تحسين حقيقي في حياة الناس اليومية: الجريمة مستمرة، الأراضي تضيع، التعليم يتراجع، والخدمات الأساسية لا تصمد. وعلى هذه الخلفية، يحذّرون من ثقافة سياسية تكتفي بالشعارات، وبالرفض التلقائي لكل مبادرة رسمية من الدولة، من دون طرح خطط عمل واضحة، أو أهداف، أو مؤشرات قياس.
في المقابل، بدأ عدد متزايد من الشباب وأصحاب المهن في المجتمع البدوي يشكّكون في الاحتكار السياسي للقوائم “المذهبية” أو “الفئوية”، ويفحصون بدائل سياسية جديدة بما فيها شراكات مباشرة مع الدولة ومع أحزاب صهيونية. وهم يطالبون قيادتهم بالانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة التنفيذ العملي: أمن شخصي، تخطيط، تشغيل، وربط حقيقي للمجتمع بمراكز صنع القرار.




















