هكذا يبدو تخلّي الدولة عن النقب، وكل ذلك برعايتها
أنا لا أكتب هذه السطور كصحافي وناشر لموقع الأخبار 'بئر السبع والنقب' فقط، بل أولاً وقبل كل شيء كساكن في النقب. أنا أعيش هنا. أسافر في الطرق التي تحوّل فيها التهور إلى norma، أسمع إطلاق النار ليلاً، أرى المقاطع المنتشرة في مجموعات الواتساب، وأفهم أن الواقع على الأرض أخطر بكثير مما هم מוכנים للاعتراف به في ممرات الحكم في القدس.
لسنوات نتحدث عن 'فوضى في النقب'، عن جريمة، 'خاوة'، غياب الحوكمة. كل هذا صحيح، لكنه مجرد طبقة واحدة في قصة أعمق بكثير تحدث تحت السطح: قنبلة اجتماعية ديمغرافية تزلزل النقب من الداخل، ومركز ثقلها هو ظاهرة تعدد الزوجات و'استيراد' نساء فلسطينيات من غزة والضفة إلى داخل التجمعات البدوية غير المعترف بها.
في الواقع، تعدد الزوجات في النقب لم يعد 'عادة قديمة' في الهامش، بل أصبح منظومة كاملة: رجال يتزوجون ثلاثاً وأربع نساء، بعضهن مواطنات إسرائيليات وبعضهن فلسطينيات يدخلن إلى إسرائيل عبر زيجات دينية فقط، يعشن هنا سنوات من دون مواطنة ومن دون مكانة قانونية مستقرة. حولهن ينمو جيل كبير من الأطفال يعيش في إسرائيل من دون أن تعترف بهم الدولة فعلاً. لا يتم تسجيلهم كما يجب، ولا يُحصون بالكامل في الإحصاءات الرسمية، ولا يندمجون حقاً في المنظومات الرسمية. هم موجودون هنا جسدياً، لكنهم بالنسبة للدولة شبه غير مرئيين.
الآن تخيلوا ذلك الطفل: أب من النقب، وأم من غزة. البيت يقع على بعد دقائق من بئر السبع، لكن عائلة الأم، قصصها وذكرياتها تمتد إلى مخيم لاجئين خلف السياج. لا مكانة قانونية منظمة، ولا شعور كامل بالانتماء. الطفل يتعلم بالعربية، يسمع العبرية، يعيش بين سرديتين. لا هو إسرائيلي 'كامل' ولا فلسطيني 'كامل'. هويته تدور بين عالمين، وفي وسط هذا الارتباك يبحث عن انتماء وكرامة وقوة. هناك، في هذه النقطة بالذات، تدخل قوى التطرف: أيديولوجيات راديكالية، تنظيمات إرهابية، جريمة حمائلية.
هذا ليس سيناريو نظرياً. رأينا طبيباً بدوياً من بئر السبع، عضواً في طاقم مستشفى سوروكا عالج جنود الجيش الإسرائيلي، اعتُقل بعد أن بايع تنظيم داعش. ورأينا شاباً متعلماً من حورة، من عائلة أبو القيعان، انجرف إلى هذه الأيديولوجية القاتلة وقُتل مقاتلاً في سوريا. عندما يختار شباب من قلب النقب، يتكلمون العبرية وخريجو منظومة التعليم والصحة في إسرائيل، أن يرفعوا راية داعش، فهذه إشارة تحذير حمراء تخبرنا كم هو عميق هذا الانهيار في الهوية والمجتمع الذي يتشكل هنا.
إلى جانب هذا التفكك في الهوية، يتحول النقب شيئاً فشيئاً إلى 'غرب متوحش' حديث: جريمة حمائلية، 'خاوة'، إطلاق نار حي في الأفراح والخلافات، سباقات سيارات على الطرق بين المدن، تراكتورونات ومركبات دفع رباعي تتعامل مع إشارات المرور وكأنها زينة لا أكثر.
إلى هذا الفضاء يدخل بعد آخر إجرامي عابر للحدود: الحدود مع مصر أصبحت ممر تهريب للمخدرات والسلاح. طرود تُلقى من وراء السياج، وتلتقطها خلايا على جانبي الحدود. تعاون بين مجرمين في النقب وبين جهات في سيناء يصنع خط تهريب متواصل، وحتى لو أحبط الجيش والشرطة جزءاً منه، فإن مئات الشحنات في السنة تنجح في التسلل. النتيجة واضحة: الجنوب ممتلئ بالمخدرات الثقيلة، والسلاح، والمال الأسود.
ثم نصل إلى الفصل المحرج بشكل خاص: سرقة السلاح من قواعد الجيش في الجنوب. المخازن العسكرية، التي يفترض أن تكون قلب الأمن المحمي، تحولت إلى متجر سلاح متاح للمجرمين. مرة بعد مرة نسمع عن عشرات آلاف الطلقات التي تُسرق، عن أسلحة تختفي، عن قواعد تُقتحم. لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لتفهم إلى أين يتجه هذا السلاح: يصل إلى داخل التجمعات غير المعترف بها، إلى القرى، إلى الحمائل. ويعود إلينا من فوهة البندقية، في تهديد 'خاوة' على المزارعين ورجال الأعمال، في تصفية حسابات بين العائلات، وأحياناً أيضاً في عمليات إرهابية.
حين تتحدث المنظومة القضائية وأجهزة إنفاذ القانون عن مئات ملفات الابتزاز و'الخاوة' التي تُفتح وتُغلق من دون لوائح اتهام، وعن نسبة ضئيلة جداً تنتهي بأحكام، تكون الرسالة للمجرمين واضحة: مسموح لكم. الدولة مترددة، الشرطة منهكة، المحاكم متساهلة، والخلايا على الأرض تشم رائحة الخوف. هكذا تبدو تآكل السيادة من الداخل.
فوق كل ذلك يطفو بعد آخر، ربما أكثر إثارة للخوف: الديمغرافيا. نسبة النمو الطبيعي في المجتمع البدوي في النقب في أعلى السلم، حتى مقارنة بدول أخرى. خلال العقود الأخيرة قفز عدد سكان البدو في الجنوب بشكل هائل، واليوم نتحدث عن مئات الآلاف، يشكلون جزءاً كبيراً من سكان النقب. مع معدل نمو يدور حول 4% سنوياً، هذا يعني مضاعفة عدد السكان كل خمس عشرة إلى ثماني عشرة سنة. في المقابل، ينمو عدد السكان اليهود بوتيرة أقل بكثير.
وهنا تعود المشكلة 'غير المرئية': ليس كل شيء يُحصى. نساء بلا مواطنة، أطفال بلا تسجيل كامل، عائلات تعيش في منطقة رمادية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. كلما كبر الفارق بين الأرقام الرسمية والواقع على الأرض، ازداد خداعنا لأنفسنا بتنبؤات مهدئة. إذا لم نفهم حقاً من يعيش هنا وكيف يعيش، سنُفاجأ عندما تنفجر الحقيقة الديمغرافية في وجوهنا.
في هذه النقطة لا يمكن الهروب من السؤال: أين الدولة؟ الجواب مؤلم. على مدى سنوات فضّلت الحكومات إغماض عيونها. قانون حظر تعدد الزوجات موجود منذ 1977، لكنه استخدم لعقود كزينة في كتاب القوانين: قلة من لوائح الاتهام، عدد لا يحصى من الملفات المغلقة، إنفاذ رمزي فقط. الرسالة على الأرض كانت واضحة: عند اليهود هذا ممنوع، وعند البدو 'نحاول أن نفهم التعقيد'. وهكذا تحولت إسرائيل إلى ديمقراطية تُدير فعلياً نظامي قانون: واحد صارم ورسمي ومنظم، وآخر مرن وضعيف خاضع لحسابات سياسية و'ثقافية'..jpg)
حتى في قضية الأراضي والبناء، تحولت الإهمال إلى سياسة فعلية. عشرات آلاف المباني غير القانونية أُقيمت في التجمعات البدوية، كثير منها على أراضي دولة، بينما السلطات تتردد، تجر أقدامها، أو تختار العمل فقط في لحظات قصوى، في صباح واحد مع جرافة وقوات شرطة خاصة، من دون حل حقيقي للسكان. قضية أم الحيران أصبحت رمزاً: قرية غير معترف بها هُدمت حتى الأساس لإقامة بلدة يهودية جديدة مكانها، من دون خطة إعادة توطين منظمة، ومن دون إحساس بالعدالة الأساسية. الرسالة التي تلقاها الناس في الميدان كانت أن من المجدي التمترس والصراخ ورمي الحجارة، وفي النهاية إما ألا يأتوا، أو أن يأتوا من دون بديل محترم، فقط مع سبب إضافي للكراهية.
من المهم أيضاً قول كلمة إنصاف لصالح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير والشرطة: هم تسلموا دمار عقود طويلة، حدوداً مخترقة، سلاحاً غير قانوني في كل زاوية، مراكز شرطة ناقصة القوى، وغياب حوكمة أصبح norma، ويحاولون في السنوات الأخيرة القيام بإصلاح. شرطة وضباط يعملون على مدار الساعة، يدخلون إلى قرى وبؤر جريمة كانت حتى وقت قريب خارج خريطة السيادة الفعلية لإسرائيل، وأحياناً يفعلون ذلك تحت تهديد مباشر لحياتهم. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في مركز الشرطة أو في مكتب الوزير، بل في غياب سياسة وتشريع منظمين فوقهما.
لهذا بالذات تكتسب أهمية مبادرات تشريعية مؤسساتية، مثل تلك الصادرة عن معهد ريفمان برئاسة حغاي رزنيك، الذي يحاول ترجمة المشكلة إلى واقع قانوني: من اقتراح يسمح بإجراء تفتيش إداري ومصادرة سلاح غير قانوني في مناطق مليئة بالسلاح استناداً إلى معلومات استخبارية، إلى 'قانون ريفمان' الواسع الذي يسعى إلى تسوية قضايا الأرض والتعليم والحكم المحلي والتنمية الاقتصادية والأمن الشخصي في المجتمع البدوي دفعة واحدة. هذا هو الاتجاه الصحيح: ليس إطفاء حرائق بعد أخرى، بل خطة وطنية واحدة تربط بين عقوبة صارمة للمجرمين وبين دعم وبنى تحتية وتعزيز المجتمع البدوي الملتزم بالقانون، في تنسيق حقيقي بين كل الوزارات: الأمن القومي، الداخلية، التعليم، الرفاه، المالية، الصحة ووزارة النقب. من دون تشريع من هذا النوع ستستمر الشرطة في القتال بيد واحدة مربوطة إلى الخلف.
تقارير مراقب الدولة وخبراء آخرين ترسم المرة تلو الأخرى نفس المشهد: قرى بدوية في قاع السلم الاجتماعي الاقتصادي، نقص في مراكز شرطة، طرق بدائية، شبكات صرف صحي متداعية، مبانٍ عامة متهالكة أو غير موجودة. عندما تغيب الدولة عن التعليم والصحة والبنى التحتية والنقل والإنفاذ، يملأ الفراغَ طرفٌ آخر: حمولة، شيخ مسلح، أو مجموعة متطرفة تعرض 'نظاماً جديداً'. هكذا تولد 'حوكمة بديلة' – حوكمة الخوف.
ومع ذلك، حتى بعد كل هذا، لا يمكن إلقاء كل اللوم على الحكومة وإعفاء المجتمع البدوي نفسه من مراجعة الذات. هناك مسؤولية مزدوجة هنا. من جهة، نعم، الدولة أهملت وتجاهلت واختبأت. ومن جهة أخرى، داخل المجتمع البدوي ما زالت تُصان عادات ورؤى تدمّر جيلاً كاملاً. لا يمكن الاستمرار في المطالبة بمزيد من الميزانيات والاعتراف والتطوير، وفي الوقت ذاته الدفاع بالصمت عن ثقافة تعدد الزوجات التي تخلّد الفقر والعنف واستغلال النساء. تعدد الزوجات ليس 'فلكلوراً رومانسياً'، بل منظومة تنتج كراهية تجاه النساء، عائلات ضخمة مهشمة، أبناء لا يرون أباً حاضراً ومستقيماً بل رجلاً يقفز بين البيوت، وبنات يتعلمن أنهن في الدرجة الثانية والثالثة..jpg)
القادة البدو، من رؤساء سلطات محلية وشيوخ ورجال دين، يعرفون هذه الحقيقة جيداً. بعضهم متورط فيها شخصياً، وبعضهم يختار عدم المواجهة، وبعضهم يخاف من حمائل قوية. لكن الصمت موقف. عندما لا تقف القيادة وتقول بصوت واضح إن 'تعدد الزوجات كارثة' وإن 'السلاح غير القانوني عدو مجتمعنا'، فإنها تتحول إلى شريكة سلبية في الانهيار. وكذلك الإصرار على معالجة القتل وسفك الدماء فقط عبر 'صلح عشائري' بدلاً من تسليم القتلة لمحاكم الدولة، يبعث رسالة خطيرة مفادها أن حياة الإنسان وكرامة القانون يخضعان لكرامة العائلة.
يجب أن تحدث أيضاً ثورة اجتماعية اقتصادية عميقة. إذا أردنا كسر دائرة تعدد الزوجات والجريمة، لا يكفي التهديد والعقوبات. يجب بناء بديل حقيقي.
الوضع في النقب خطير، لكنه ليس قدراً حتمياً. ما زال بالإمكان قلب الصورة. لكن هذا يتطلب ثورة مزدوجة. من جهة، ثورة حوكمة: صفر تسامح مع تعدد الزوجات، صفر تسامح مع السلاح غير القانوني، صفر تسامح مع 'الخاوة'، ومع سرقة المزارعين، ومع سرقة السلاح العسكري، ومع إطلاق النار في الهواء وكأنه مفرقعات. هذا يعني تشريعات ذات أنياب، إنفاذاً حقيقياً، محاكم تتوقف عن التأثر بـ'حساسيات ثقافية' وتفهم أن ثقافة تقدّس تعدد الزوجات والسلاح هي ثقافة تحتاج إلى تصحيح لا إلى تسهيلات. هذا يعني مراكز شرطة في قلب البلدات البدوية، حضوراً يومياً، دخولاً منظماً وعنيفاً فقط عندما لا يكون مفر، مع دعم كامل من المستوى السياسي.
ومن جهة أخرى، يجب أن تحدث ثورة اجتماعية اقتصادية عميقة. إذا أردنا كسر دائرة تعدد الزوجات والجريمة، لا يمكن الاكتفاء بالتهديد. ينبغي بناء بديل: بدءاً من تسوية حقيقية للقرى البدوية، وربط كامل بالبنى التحتية، وتخطيط عمراني يحترم احتياجات المجتمع من دون أن يخضع للفوضى. ويستمر ذلك بتعليم مختلف، خصوصاً للفتيات والنساء، وبخلق مسارات عمل نوعية للشباب البدو يستطيعون من خلالها أن يكونوا أطباء ومهندسين ومعلمين وجنوداً وضباطاً، لا مجرد عمال موسميين أو جنوداً في خدمة حمولة..jpg)
وفوق كل ذلك، يجب أن يعود إلى الطاولة مشروع صهيوني واحد بسيط وبديهي: تعزيز الاستيطان اليهودي في النقب. النقب ليس مؤخرة مهملة نعتني بها 'عندما يتوفر الوقت'. إنه قلب القصة الصهيونية، ساحة الاختبار الحقيقية لدولة إسرائيل. إذا أردنا نقباً آمناً ومستقراً وذا سيادة، علينا أن نرى هنا مزيداً من البلدات المجتمعية اليهودية، مزيداً من العائلات الشابة التي تختار الجنوب، مزيداً من الصناعة والأكاديميا والهايتك والسياحة والثقافة. يجب تحويل بئر السبع إلى متروبولين يجذب المركز، لا إلى 'هامش' يطرد أبناءه إلى غوش دان.
النقب يمكن أن يكون قصة مشتركة جميلة لليهود والبدو، لكن قصة كهذه تتطلب شرطين أساسيين: قانوناً واحداً للجميع، ومسؤولية واحدة عن الجميع، وأغلبية صهيونية واضحة لا تخجل من قول اسمها. من دون ذلك سنمضي نحو سنوات طويلة من الفوضى وتهديد دائم للنسيج المشترك.
الاختيار واضح. يمكن الاستمرار في جر الأقدام، ودفن التقارير في الأدراج، وكتابة المزيد من اللجان وإدارة المزيد من 'النقاشات الحساسة'، إلى أن تحسمنا الحقيقة الديمغرافية والاجتماعية والأمنية. ويمكن، ما زال بالإمكان، اختيار طريق آخر: إعادة النقب إلى مسار إسرائيلي صهيوني واضح، يكون فيه البدو الملتزمون بالقانون شركاء كاملين، والمجرمون خلف القضبان، والدولة تعود إلى كونها صاحبة السيادة الحقيقية على أرضها.
النقب ينادينا. من يصغي إلى هذا النداء، من يعيش هنا، يعرف جيداً أن هذا ليس جدلاً سياسياً آخر. هذا صراع على البيت. إن لم نوقف الانحدار الآن، سنخسر النقب، وإذا خسرنا النقب خسرنا جزءاً جوهرياً من دولة إسرائيل.


















