ليلة عزّ وكرامة في كسيفة: عرس عائلة أبو عجاج المزدوج تحوّل إلى حدث كبير
لبست كسيفة، ليلة أمس، ثوب الفرح في واحدة من أجمل وأكبر المناسبات التي شهدها المجتمع البدوي في النقب في الفترة الأخيرة. ففي ساحة خاصة واسعة تم تجهيزها خصيصاً بجانب بيت عثمان أبو عجاج، أُقيم عرس مزدوج لنجليه، باسل وقاسم، وسط حضور كبير تجاوز الألف ضيف، من الشيوخ والوجهاء، ممثلي الجمهور، رجال الأمن، الأصدقاء، أبناء العائلة وضيوف من مختلف أنحاء النقب.
لم يكن هذا العرس مجرد مناسبة عائلية فقط، بل كان مشهداً كبيراً من مشاهد العزّ والكرامة، والتواصل بين العائلات والعشائر والقرى البدوية، وصورة حيّة لقوة العلاقات الاجتماعية في المجتمع البدوي في النقب. في ليلة واحدة اجتمع ممثلون من قرى وبلدات بدوية مختلفة، إلى جانب ضيوف يهود حضروا ليشاركوا العائلة فرحتها ويقدّموا التهاني والاحترام.
في قلب المناسبة وقف العريسان باسل وقاسم. باسل أبو عجاج، هندسي ومدير مشاريع في المجلس الإقليمي تمار، وقاسم أبو عجاج، متدرّب في وزارة العدل، وقد عمل سابقاً في قسم التحقيقات في شرطة بئر السبع. ويمثل الشقيقان جيلاً شاباً، متعلماً وفاعلاً، يحمل من جهة جذوره العائلية والعشائرية، ومن جهة أخرى يندمج في مواقع مهنية وعامة مهمة داخل المجتمع الإسرائيلي.

أما والدهما، عثمان أبو عجاج، فهو رجل أعمال وشخصية عامة معروفة ومحترمة من كسيفة، وله حضور واضح في العمل الجماهيري والمجتمعي داخل المجتمع البدوي في النقب. وقد عكس الحضور الواسع في العرس مكانته وتقدير الناس له ولعائلة أبو عجاج، حيث جاء الكثيرون ليشاركوا العائلة فرحتها ويؤكدوا مكانة الاحترام التي تحظى بها.
في استقبال الضيوف حضر شيوخ من النقب، وجهاء، عدد من رؤساء السلطات المحلية، ممثلون عن جهات أمنية، أصدقاء من قيادة الجنوب ومن الوحدة الخاصة بتجنيد الجنود البدو، إضافة إلى ممثلين عن جمعية الخدمة الوطنية. هذا الحضور منح العرس طابعاً عاماً واسعاً، يتجاوز حدود الفرح العائلي الخاص.
ومن أبرز ما ميّز العرس هو هذا الجمع الجميل بين الضيوف البدو واليهود. في المكان نفسه، وفي الليلة نفسها، اجتمع أشخاص من دوائر مختلفة في النقب، بدافع الاحترام للعائلة وبفضل علاقات شخصية، مهنية وجماهيرية بُنيت على مدار سنوات. وفي وقت كثيراً ما يُتحدث فيه عن الفجوات والاختلافات، قدّم العرس في كسيفة صورة أخرى: صورة احترام متبادل، صداقة، علاقات قوية وتعاون إنساني بين الناس.
كما عبّر الحدث عن الرابط القوي بين القرى والبلدات البدوية في النقب. فالعرس البدوي الكبير ليس مناسبة لعائلة واحدة فقط، بل هو ملتقى اجتماعي واسع، تلتقي فيه العائلات، تتجدد العلاقات، وتظهر فيه قوة الانتماء والاحترام بين الناس. في كسيفة حضر ممثلون من بلدات بدوية متعددة، جاؤوا ليباركوا، يهنئوا، ويقوّوا صلة الرحم والعلاقات بين العائلات.
وكما يليق بعرس بدوي أصيل ومشرّف، كان للتراث حضوره الكبير. فقد شهدت الليلة دحية مهيبة ومحترمة، تحولت إلى واحدة من أجمل لحظات العرس. الصوت، الإيقاع، الوقفة الجماعية، والفخر بالهوية، كل ذلك ذكّر الحضور بأن الدحية ليست مجرد لون من ألوان الغناء، بل هي تعبير عن الانتماء، الكرامة، الفخر، وصلة الأجيال ببعضها.
.png)
كما حضرت ثقافة الطعام البدوية بكل كرمها. فقد تمت دعوة شيف خاص لإعداد منسف مميز للضيوف، بطريقته الخاصة. والمنسف في الثقافة البدوية ليس مجرد وجبة، بل هو رمز للكرم، للضيافة، ولتقدير الضيف. وقد ظهر في موائد العرس مدى حرص العائلة على كل تفصيل، حتى يشعر كل ضيف بأنه عزيز، مرحب به، وجزء من فرحة البيت.
بهذا المعنى، كان عرس عائلة أبو عجاج درساً حيّاً في الثقافة البدوية: استقبال، كرم، طعام، موسيقى، احترام للضيف، صلة بين العائلات، وحفاظ على التراث. كل تفصيل في الليلة حكى قصة: من الساحة التي جُهزت خصيصاً بجانب بيت العائلة، مروراً باستقبال الضيوف، وصولاً إلى الدحية والمنسف.
من حضر العرس وصفه بأنه ليلة فرح، فخر ووحدة. استُقبل الضيوف بأوسع الصدور، كما تقتضي تقاليد الضيافة البدوية الأصيلة، وكانت الأجواء مزيجاً من فرحة عائلية كبيرة وحدث جماهيري واسع. لم تكن المناسبة مجرد تهنئة لعريسين، بل كانت أيضاً صورة للمجتمع البدوي في النقب في أبهى حالاته: مجتمع مترابط، كريم، معتز بنفسه، ويحمل قيم الاحترام والوفاء.
وإلى جانب الفرح، عكس العرس أيضاً المكان الذي يقف فيه المجتمع البدوي اليوم. فمن جهة، هناك تمسك عميق بالتراث، العائلة، العشيرة والهوية. ومن جهة أخرى، هناك جيل شاب متعلم، مهني، منخرط في الخدمة العامة، في مؤسسات الدولة، وفي مسارات العمل والمسؤولية.
في عرس واحد بكسيفة التقت كل هذه العوالم: شيوخ ووجهاء إلى جانب شخصيات عامة، ممثلو أمن إلى جانب ممثلي الخدمة الوطنية، ضيوف بدو إلى جانب ضيوف يهود، تراث عريق إلى جانب جيل شاب يتقدم في مجالاته المهنية. كانت فرحة عائلية كبيرة، لكنها كانت أيضاً صورة واسعة للنقب كما يمكن أن يكون: متصلاً، محترماً، مشتركاً، وفخوراً بجذوره.
وفي نهاية الليلة، كان العرس المزدوج لباسل وقاسم أبو عجاج، الذي أُقيم ليلة أمس في كسيفة، أكثر بكثير من مناسبة احتفالية. كان ليلة عزّ وكرامة. ليلة فتحت فيها العائلة بيتها وقلبها لأكثر من ألف ضيف، ليلة حضر فيها التراث البدوي بكل جماله، وليلة وقفت فيها كسيفة في مركز فرحة كبيرة، مليئة بالاحترام، المحبة، الفخر والانتماء.


















