'الأطفال ليسوا مذنبين': معركة التعليم في القرى غير المعترف بها تصل إلى المحكمة
شهدت المحكمة المركزية في بئر السبع اليوم جلسة وضعت في مركزها واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في المجتمع البدوي في النقب: الحق الأساسي للأطفال في التعلّم، حتى عندما تعجز السلطات عن التفاهم فيما بينها حول الميزانيات.
الجلسة عُقدت أمام القاضي غد جدعون، بصفته قاضيًا في المحكمة للشؤون الإدارية، وذلك في إطار التماس قدمته جمعية حقوق المواطن باسم 20 طالبًا وطالبة يتعلمون في جهاز التعليم التابع للمجلس الإقليمي واحة الصحراء. وقد وُجه الالتماس ضد لواء الجنوب في وزارة التربية والتعليم وضد المجلس الإقليمي، على خلفية تجدد التهديد بإغلاق المؤسسات التعليمية التي يديرها المجلس في القرى غير المعترف بها ابتداءً من يوم الأحد القادم.
بالنسبة للطلاب والعائلات في تلك القرى، لا يتعلق الأمر بخلاف قانوني بارد أو نقاش تقني حول الميزانيات، بل بسؤال بسيط: هل سيكون هناك مدرسة صباح الأحد أم لا؟ هل ستنطلق الحافلات؟ هل ستفتح رياض الأطفال؟ أم سيبقى الأطفال مرة أخرى في البيوت بسبب خلاف بين الدولة والمجلس؟
خلفية الأزمة هي نقص مالي يرافق جهاز التعليم في واحة الصحراء. ووفقًا للمحامي حن أبيطان، ممثل المجلس، فإن الحديث يدور عن دين بقيمة 12.9 مليون شيكل من العام الماضي، ومبلغ مشابه للعام الحالي، أي نحو 25.8 مليون شيكل إجمالًا. وقد أشار القاضي خلال الجلسة إلى أن هذا المبلغ ليس كبيرًا مقارنة بالثمن الباهظ المتمثل بوقف التعليم للأطفال.
'الخلاف المالي لا يهم الأطفال'
يمثل الملتمسين المحاميان إلزا بونية وعوديد فلر من جمعية حقوق المواطن. وأكدا في مرافعاتهما أن الأطفال ليسوا طرفًا في النزاع المالي، ولا يجوز أن يدفعوا الثمن. وقالت المحامية بونية: 'تفاصيل الخلاف المالي بين السلطات لا تهم الملتمسين. كل ما نريده هو استمرار تقديم خدمات التعليم'.
وأضافت أن سكان القرى غير المعترف بها يعيشون حالة مستمرة من عدم اليقين بشأن انتظام الدراسة، ولذلك هناك حاجة إلى أمر قضائي يضمن عدم توقف التعليم، لا في الأول من أيار ولا بعده.
أما المحامي فلر فقال إن الاستمرارية التعليمية أمر حاسم في كل مجتمع، وخاصة هنا. وأوضح أن واقعًا تكون فيه أيام فيها مدرسة وأيام بلا مدرسة يشجع على التسرب المدرسي ويضر بالأطفال، مطالبًا بضمان عدم خسارة أي يوم دراسي حتى نهاية السنة، وإيجاد حل دائم للعام المقبل.
القاضي: 'للأطفال حق كامل في التعليم'
خلال الجلسة شدد القاضي جدعون على أن للأطفال حقًا قانونيًا كاملًا وغير قابل للنقاش في تلقي خدمات التعليم. وفي لحظة لافتة قال لممثلي الدولة: 'هل عليّ أن أتنحى عن النظر في الالتماس؟ لأنني ببساطة أتفق مع كل شيء'.
وأضاف لاحقًا أنه يستطيع إصدار أمر يلزم وزارة التربية والمجلس بتوفير خدمات التعليم، 'وليتدبروا أمرهم بعد ذلك'. وقد عكست هذه التصريحات عدم صبر المحكمة تجاه وضع قد يتحول فيه الأطفال إلى رهائن لخلاف بين السلطات.
الدولة: هناك اتفاق قائم
من جهتها، قالت ممثلات النيابة العامة عن وزارة التربية والتعليم إن هناك 'إطارًا اتفاقيًا' بين الدولة وواحة الصحراء، وإن طلب المجلس يعني عمليًا خرق الاتفاق أو إعادة فتحه من جديد. وسألت إحدى المحاميات: 'أين الحدود؟'.
وبحسب موقف الدولة، فقد تم تحويل 14.7 مليون شيكل للمجلس من أصل المبلغ المطلوب، كما تعرض الدولة مبلغًا إضافيًا. لكنها ترفض تدخل جهة ثالثة تعيد فحص الاتفاقيات السابقة بالكامل.
جرح قديم في ملف التعليم
القضية الحالية لا تجري في فراغ. فبالنسبة للمجتمع البدوي في النقب، وخاصة سكان القرى غير المعترف بها، يشكل ملف التعليم جزءًا من صراع أوسع من أجل المساواة الأساسية في الخدمات، مثل المواصلات، البنى التحتية، المباني التعليمية، المياه، الكهرباء والطرق.
الطفل في قرية غير معترف بها يبدأ يومه من نقطة انطلاق أكثر تعقيدًا بكثير من طفل في مدينة منظمة. أحيانًا الطريق إلى المدرسة أطول، والمواصلات مرتبطة بالمناقصات والميزانيات، والمباني مؤقتة أكثر، والنظام كله يعمل في ظروف من عدم الاستقرار. وعندما تصبح حتى هذه الخدمات مهددة بالإغلاق، فالمعنى هو مضاعفة الضرر على فئة تعاني أصلًا من فجوات عميقة.
الرسالة واضحة
الالتماس لا يتعلق فقط بـ 25.8 مليون شيكل، بل يتعلق بأطفال يريدون الذهاب إلى المدرسة، وأهالٍ يريدون اليقين، ومجتمع بدوي يطالب بما يجب أن يكون بديهيًا في أي دولة حديثة: تعليم منتظم، آمن ومتساوٍ.
الكرة الآن في ملعب وزارة التربية والتعليم والمجلس الإقليمي واحة الصحراء. المحكمة ألمحت بوضوح إلى موقفها، والسؤال المطروح هو: هل سيتم حل الأزمة قبل أن يدفع الأطفال الثمن مرة أخرى؟


















